محمد سعيد رمضان البوطي
348
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
وجملة ما اعتمده ابن تيمية في ذلك ، قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « لا تشد الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد ، المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى » ، وقوله : « لعن اللّه اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » ، وقوله : « لا تجعلوا قبري عيدا » . وليس في شيء من هذه الأحاديث الثلاثة ما يصلح أن يكون مستندا لما انفرد به . 1 - فقوله عليه الصلاة والسلام : لا تشد الرحال . . إلخ استثناء مفرغ كما هو معلوم والمستثنى منه محذوف ، وإنما يقدر المستثنى من جنس المستثنى منه ، وإلا كان استثناء منقطعا ، وهو استثناء مجازي ، ولا يجوز إضمار المجاز إلّا عند الضرورة التي لا تصلح معها الحقيقة . فتقدير الحديث : لا تشد الرحال إلى المساجد إلا إلى ثلاثة منها . . إلخ فالمستثنى منه هو المساجد ، والمعنى أن جميع المساجد في الفضل سواء ، إلا هذه المساجد الثلاثة ، فلا وجه لتفضيل بعضها على البعض في زيارة أو اعتكاف أو نحو ذلك . وعملا بهذا الحديث قال الفقهاء : إنه لو نذر الاعتكاف وسمى مسجدا معينا غير هذه المساجد الثلاثة ، لم يجب عليه قصد ذلك المسجد بخصوصه ولم يسنّ ، بل يغنيه أن يعتكف في أي مسجد من مساجد الدنيا . أما حديثنا فهو عن زيارة قبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وهو ليس داخلا لا في المستثنى ولا في المستثنى منه ، فالحديث بمعزل عن أي إشارة إليه ، وهو كما لو قلت : لا يجوز أن تشد الرحال إلى زيارة الأرحام أو إلى العلماء لنتعلم منهم ، لحديث لا تشد الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد . . إلخ ! ! . . ثم إننا نسأل بعد هذا : أفيفهم ابن تيمية من كلمة ( شدّ الرحال ) معناها الحقيقي ، أم المعنى المجازي الذي هو القصد والعزم على الشيء ؟ فإن كان يفهم منها المعنى الحقيقي ، فينبغي ألا تحرم زيارة غير هذه المساجد الثلاثة من المساجد الأخرى إلّا إذا شدّ لذلك رحلا ثم مضى إليه بواسطة الرحل ، قربت المسافة أو بعدت ، فإن سعى إليه بوسيلة أخرى غير شدّ الرحال لم يعد ذلك حراما ، وهل يقول عاقل بذلك ؟ وإن كان يفهم من الكلمة معناها المجازي - وإنما المعنى المجازي لها هو الاتجاه إلى الشيء لا يقصد غيره - فإن عمل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يعارضه ويرده . فقد كان صلوات اللّه عليه يزور مسجد قباء في كل أسبوع ، وفي رواية كل يوم سبت ، وقد كان مسجد قباء خارج المدينة . والخلاصة ، أن المستثنى منه في الحديث هو المساجد ، وزيارة الأرحام والقبور والأشخاص والمعالم غير داخلة في المستثنى منه ، فلا شأن للحديث بها . ومعنى الحديث : إن أولى المساجد بالاهتمام للتوجه إليها من مسافات بعيدة هذه المساجد الثلاثة . 2 - وقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « لعن اللّه اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد » لا شأن له بموضوع الزيارة